هناك لحظة، بين فوضى الحياة اليومية وهمهمة الروتين الهادئة، ندرك فيها كم تأثرنا بمن أحبونا أكثر من غيرهم. بالنسبة لي، جاء هذا الإدراك كموجة خفيفة، تتسلل بهدوء حتى غمرت كل شيء.
لم تكن لحظةً مهمة. لا احتفال. لا إشراقةٌ عظيمة. حدث ذلك وأنا أقف عند طاولة المطبخ، أقطع الخضراوات - وهو أمرٌ فعلته ألف مرةٍ من قبل - وكدتُ أسمع صوتها.
كانت تقول: "لا تتعجل"، وحتى الآن، بعد كل هذه السنين، أشعر وكأنني أستطيع الالتفاف لأجدها واقفة هناك، يداها في حوض ماء دافئ، ورائحة التوابل تختلط بالهواء. لم تكن بحاجة للحديث كثيرًا. كان وجودها درسًا بحد ذاته. كان ذلك في طريقة طيّها للمناشف بعناية، وفي حرصها على وجود الشاي دائمًا عند العودة من البرد، وفي إنصاتها عندما كان العالم صاخبًا جدًا.
هكذا هي الأمهات، أليس كذلك؟ يُقدّمن أنفسهن بطرقٍ لا تظهر دائمًا. يُصبحن الإيقاع الثابت الذي يحملنا عبر تنافر الحياة.
عندما كنتُ صغيرًا، لم أكن أفهم هذا. كمعظم الأطفال، كنتُ منغمسًا جدًا في رحلة النضوج - اكتشاف هويتي، مطاردة أحلامي، واختبار حدودي. كنتُ أشتكي من التفاصيل الصغيرة: كيف أن الوجبات كانت دائمًا كما هي، وكيف أن القواعد لم تتغير أبدًا، وكيف شعرتُ أنها دائمًا في الخلفية، تهتم باحتياجات الآخرين بهدوء.
لم أُدرك الحقيقة إلا بعد أن كبرت. لم تكن في الخلفية إطلاقًا. كانت هي الصمغ الذي يربط كل شيء، القوة الخفية التي تنسج خيوطها في كل لحظة. لم يكن الأمر يتعلق بالطعام الذي تُحضّره، مع أنه كان دائمًا لذيذًا. ولا بالنصيحة التي تُسديها، مع أنها كانت دائمًا حكيمة. بل كان الأمر يتعلق بقدرتها على الحب، حتى عندما لا يُطلب، حتى عندما لا يُقابل بالمثل. كان الأمر يتعلق بكيفية سهرها، مُتأكدةً من أن كل شيء مُرتب لليوم التالي - تفاصيل صغيرة، لا يلاحظها أحد، لكنها لا تلاحظها.
أحيانًا ننسى تقدير هذه الأفعال الصامتة التي تدل على الحب. ننشغل في ضجيج حياتنا، ومتطلبات العمل، وصخب المجتمع، فننسى جمال المألوف. ننسى أهمية التواجد، وأهمية تقديم الإحسان البسيط دون انتظار مقابل. ثم، بعد مرور السنين، ندرك كم تعلمنا، ليس من اللفتات الكبيرة، بل من تلك اللحظات الصامتة - تلك الصباحات الباكرة، تلك الليالي المتأخرة، تلك اللحظات التي تفصلنا.
نتعلم أن الحب لا يحتاج إلى صخبٍ ليُشعَر به، ولا إلى غرابةٍ ليُعمّق. إنه في السكون، في الصبر، في تواجد شخصٍ ما، يومًا بعد يوم، ليُساندك.
سنلتقي في حياتنا بأشخاص سيعلموننا الكثير، لكن لا أحد سيعلمنا دروس الحب كالأم. فهي أول من يعلمنا كيف نهتم بالآخرين دون تردد، وكيف نعطي، حتى عندما لا نملك ما نعطي.
وربما هذا ما نحمله معنا، بعد فترة طويلة من رحيلهم - قدرتهم على الحب بطرق تترك بصمة على قلوبنا، بهدوء، دون الحاجة إلى أن نلاحظ.
في النهاية، ربما تكون هذه أعظم هدية يمكن أن تقدمها الأم - دروس تظل حية، ليس في ما يقال، ولكن في ما يتم فعله.